ابن حزم

707

الاحكام

حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ، نا أحمد بن فتح ، نا عبد الوهاب بن عيسى ، نا أحمد بن محمد ، نا أحمد بن علي ، نا مسلم بن الحجاج ، نا عمرو الناقد ، نا كثير بن هشام ، ثنا جعفر بن برفان ، عن يزيد الأصم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . قال أبو محمد : فصح بكل ما ذكرنا أن النفس هي المأمورة بالاعمال ، وأن الجسد آلة لها ، فإن نوت النفس بالعمل الذي تصرف فيه الجسد وجها ما ، فليس لها غيره ، وصح أن الله تعالى يقبل إلا ما أمر به ، بالاخلاص له ، فكل عمل لم يقصد به الوجه الذي أمر الله تعالى به فليس ينوب عما أمر الله تعالى به ، فبطل قول من قال : إن من توضأ تبردا أو تعليما ، أو تيمم بغير نية ، أو لم يأكل ولا شرب ولا وطأ بغير نية ، أو مشى في المناسك بغير نية : إنه يجزيه عن الوضوء المأمور به للصلاة . وعن التيمم المأمور به للصلاة ، وعن الصيام المأمور به ، أو المتطوع به لله عز وجل ، وعن الحج المأمور به ، أو المتطوع به لله عز وجل ، لأنه لم يخلص في كل ذلك لله عز وجل ، ولا فعله ابتغاء مرضاته تعالى ، ولا نوى به ما أمر به . وقد أخبر الله تعالى على لسان نبيه عليه السلام أنه لا ينظر إلى الصور ، فإذا لم ينظر إلى الصور فقد بطل أن يجزي عمل الصورة المنفرد على عمل القلب الذي هو النية ، وصح أنه تعالى إنما ينظر إلى القلب وما قصد به فقط ، ولا بيان أكثر من تكذيب الله عز وجل المنافقين في شهادتهم أن محمدا رسول الله . وهذا عين الحق وعنصره الذي لا يتم حق إلا به ، فلما كانوا غير ناوين لذلك القول بقلوبهم صاروا كاذبين فيه ، وهذا بيان جلي في بطلان كل قول وعمل لم ينو بالقلب ، ونحن نحكي أقوال الكفار ونتلوها في القرآن ، ولكنا لم ننوها بقلوبنا لم يضرنا ذلك شيئا ، وصح بنص الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التقوى في القلب ، فكل عمل لم يقصده القلب فليس تقوى ، وكل عمل لم يقصد بالمضغة التي بها يصلح الجسد فهو باطل ، وإن عمله الجسد ، وفي هذا كفاية . على أن القائلين بخلاف قولنا يتناقضون أقبح تناقض ، فمن مفرق بين التيمم والوضوء ومن مفرق في النية في الصوم بين أول النهار وآخره ، ومن مفرق في الحج بين الاحرام وبين سائر فرائضه ، كل ذلك استطالة في الدين بالآراء الفاسدة